ابن كثير

53

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني - اهدنا الصراط المستقيم - أن يكون معنيا به : وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل ذلك هو الصراط المستقيم لأن من وفق لما وفق له من أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب والعمل بما أمره اللّه به والانزجار عما زجره عنه واتباع منهاج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة ، وكل عبد صالح وكل ذلك من الصراط المستقيم « 1 » . فإن قيل فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك ؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟ فالجواب أن لا ، ولولا احتياجه ليلا ونهارا إلى سؤال الهداية لما أرشده اللّه تعالى إلى ذلك ، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى اللّه تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللّه فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق ، فالسعيد من وفقه اللّه تعالى لسؤاله فإنه قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار ، وقد قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [ النساء : 136 ] فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك واللّه أعلم . وقال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يقولوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ آل عمران : 8 ] وقد كان الصديق رضي اللّه عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرا ، فمعنى قوله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 7 ] صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ( 7 ) قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها أن اللّه يقول « هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » وقوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مفسر للصراط المستقيم وهو بدل منه عند النحاة ويجوز أن يكون عطف بيان واللّه أعلم . والذين أنعم اللّه عليهم هم المذكورون في سورة النساء حيث قال تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً . ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً [ النساء : 69 - 70 ] وقال الضحاك عن ابن عباس : صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين . وذلك نظير

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 104 .